
قرار كندي جديد يعيد ملف لجوء سياسي لقيادي بحزب المؤتمر الوطني
متابعات – موجز السودان الآن
أعادت السلطات القضائية في كندا فتح ملف اللجوء الخاص بالسياسي السوداني والقيادي السابق في حزب المؤتمر الوطني عبد السخي عباس، بعد صدور حكم فدرالي يمنحه فرصة جديدة للنظر في طلبه الذي جرى رفضه في وقت سابق، في خطوة تُعد من أبرز القضايا المتعلقة بطلبات اللجوء المقدمة من شخصيات سياسية تنتمي إلى الدولة السودانية التي حكمتها منظومة الإنقاذ لثلاثة عقود قبل الإطاحة بها في ثورة ديسمبر 2019. ويأتي هذا القرار في وقت تشهد فيه الساحة السودانية اضطرابات سياسية وأمنية معقدة، تزيد من حساسية قضايا الترحيل واللجوء، وتدفع المحاكم الكندية إلى مراجعة معاييرها بدقة طبقاً لما تفرضه الاتفاقيات الدولية والقوانين المحلية.
وكانت دائرة الهجرة التابعة لمجلس الهجرة واللاجئين الكندي قد رفضت سابقاً طلب عبد السخي، واعتبرت انتماءه السابق لحزب المؤتمر الوطني سبباً كافياً لاعتباره غير مؤهل للحصول على اللجوء، مشيرة إلى ارتباط الحزب بملفات انتهاكات حقوق الإنسان وقمع المعارضين السياسيين وتزوير الانتخابات خلال سنوات حكمه الطويلة. هذا القرار الأولي فتح باباً واسعاً للنقاش القانوني داخل الدوائر الحقوقية الكندية، لاسيما أن الحزب—رغم سقوط سلطته—لا يزال يُنظر إليه كجزء أساسي من منظومة الدولة السابقة التي تواجه انتقادات دولية واسعة.
وبحسب ما نقلته صحيفة Winnipeg Sun، فقد تقدم عبد السخي عباس باستئناف ضد قرار الرفض أمام المحكمة الفيدرالية الكندية، موضحاً أن السلطات المعنية لم تنظر بجدية في المخاطر الشخصية التي قد يواجهها إذا تمت إعادته إلى السودان، في ظل الوضع الأمني الهش والتوترات السياسية. وذكر أن رفض طلبه الاقتصار على الانتماء السياسي السابق دون النظر في الخطر الحقيقي الذي قد يتعرض له يجعله مهدداً بإعادة قسرية مخالفة للقانون الدولي.
وجاء الحكم الصادر في 10 أكتوبر الماضي عن القاضي سيباستيان غرامون ليؤكد أن مجلس الهجرة واللاجئين لم يراعِ الالتزام القانوني بكافة بنود القانون الدولي، وعلى رأسها مبدأ عدم الإعادة القسرية، وهو أحد أهم المبادئ التي تمنع الدول من ترحيل أي شخص إلى بلد قد يتعرض فيه للاضطهاد أو التعذيب أو الأذى الجسيم. وأوضح القاضي أن انتماء مقدم الطلب لحزب سياسي قد يثير بالفعل مخاوف أمنية، إلا أن ذلك لا يجب أن يحجب تقييم وضعه الفردي وما إذا كان يشكل خطراً على الدولة المضيفة، أو إذا كان هو ذاته معرضاً لخطر وشيك في حال ترحيله.
وأشار القاضي كذلك إلى حكم سابق صادر عن المحكمة العليا الكندية في عام 2023، الذي ألزم الهيئات المختصة بتفسير قانون الهجرة وحماية اللاجئين بطريقة تنسجم مع الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، خاصة تلك المتعلقة باللاجئين والحقوق الأساسية. هذا التوجيه القضائي ألقى بظلاله على القرارات الصادرة عن محاكم الهجرة، وبات من الضروري لكل جهة مختصة مراجعة الوقائع بعناية قبل إصدار قرارات نهائية قد تترتب عليها مخاطر إنسانية كبيرة.
وبموجب الحكم الجديد، فقد تم إلغاء قرار الرفض السابق وإعادة ملف عبد السخي إلى دائرة الهجرة للنظر فيه مرة أخرى، على أن يتم ذلك أمام صانع قرار مختلف لضمان الحياد والنزاهة وتقييم الوقائع من الصفر دون تأثيرات داخلية أو مرجعيات سابقة. هذا الإجراء، رغم أنه لا يعني منح صفة اللجوء بشكل مباشر، إلا أنه يُعد انتصاراً قانونياً يمنح مقدم الطلب فرصة جديدة لإثبات مدى تعرضه لمخاطر أمنية وشخصية في حال تمت إعادته إلى السودان.
ويعود الجدل حول عبد السخي إلى انشقاقه عن حزب المؤتمر الوطني في عام 2016، عقب تصريحات إذاعية انتقد فيها أداء الحكومة آنذاك، وهو ما أدى إلى فصله من الحزب لكنه ظل محتفظاً بمقعده في البرلمان حتى سقوط النظام في أبريل 2019. يرى فريق الدفاع عنه أن هذه الخلفية السياسية تجعله عرضة لاستهداف محتمل من جماعات سياسية أو عسكرية داخل السودان، خاصة في ظل الانقسام الحاد الذي تشهده البلاد بين أطراف متعددة، بعضها يمتلك نفوذاً أمنياً كبيراً.
في المقابل ترى السلطات الكندية أن انتماءه السابق للحزب الحاكم سابقاً يحمل مخاوف سياسية، غير أن المحكمة أوضحت أن هذا لا يُلغي واجب تقييم المخاطر الشخصية. كما يؤكد محامو عبد السخي أن موكلهم لا يزال يعاني من تبعات مواقفه السياسية السابقة، وأن الوضع في السودان غير مستقر بما يكفي لضمان عدم تعرضه للأذى أو الاعتقال التعسفي.
وتعكس هذه القضية تعقيدات ملفات اللجوء السياسي المتعلقة بالسودان خلال السنوات الأخيرة، حيث ارتفعت طلبات اللجوء من قبل شخصيات سياسية وإعلامية وأفراد مرتبطين بالصراع الداخلي، خصوصاً بعد اندلاع الحرب في السودان عام 2023 وما تبعها من انهيار مؤسسات الدولة ونزوح الملايين. ومع تصاعد هذه القضايا، أصبحت الهيئات الدولية والمحاكم في دول اللجوء أكثر حرصاً على مراجعة كل حالة بتأنٍّ لتجنب أي قرارات قد تؤدي إلى ترحيل أفراد إلى مناطق خطرة.
وتأتي إعادة النظر في ملف عبد السخي لتؤكد أن كندا لا تزال ملتزمة بالمبادئ الدولية، وأن قرارات اللجوء يجب أن تخضع لمعيار مزدوج يجمع بين حماية الأمن القومي ومراعاة حقوق الإنسان. ويقول خبراء في شؤون الهجرة إن الحكم الأخير قد يكون مؤشراً على تشدد أكبر في مراجعة الملفات السياسية المرتبطة بالسودان، خاصة في ظل تصاعد المخاطر الأمنية في البلاد.
وبانتظار البت النهائي في طلب اللجوء، تبقى قضية عبد السخي عباس واحدة من أكثر الملفات تعقيداً في سياق اللجوء السوداني إلى كندا، خاصة أنها تجمع بين خلفية سياسية حساسة ومشهد سوداني مضطرب ومبادئ قانونية دولية صارمة تلزم الدول بحماية كل شخص يواجه خطراً حقيقياً على حياته في بلده.










