اقتصاد

اتفاقية الذهب الضائعة.. حين يصبح النفي بديلاً للبيان 

متابعات -موجز السودان

تابعنا على الواتساب لمزيد من الاخبار

                           

اتفاقية الذهب الضائعة.. حين يصبح النفي بديلاً للبيان

 

في مساء الخامس من سبتمبر 2025، أعلنت وكالة السودان للأنباء (سونا) توقيع وزارة المعادن اتفاقية استثمارية ضخمة مع شركة “ديب ميتالز” بقيمة 277 مليون دولار، تمنح الشركة استحواذاً على 85% من منجم أركيديا، أحد أكبر مكامن الذهب في البلاد، إلى جانب إنشاء مصنع لمعالجة مخلفات التعدين ومصفاة للذهب. لكن، وبعد أقل من 24 ساعة، اختفى الخبر من السجلات الرسمية: الوزير حذف منشوراته، وسونا نفسها نفت ما نشرته، تاركةً فراغاً يثير من الأسئلة أكثر مما يقدم من الإجابات.

هذا المشهد لا يمكن قراءته كحادثة عابرة أو مجرد “خطأ بروتوكولي”، بل هو صورة مكثفة لفوضى الدولة السودانية في زمن الحرب، حين تتحول الشفافية إلى رفاهية، ويصبح الصمت الرسمي وسيلة للتمرير، والنفي أداة لإدارة الأزمات بدلاً من مواجهتها.

إن ما حدث يعكس أزمة أعمق من مجرد صفقة استثمارية، فهي تكشف غياب الدولة عن دورها الطبيعي كضامن للوقائع وصانع للرواية. حين تعجز المؤسسات عن إصدار بيان واضح يشرح أو يصحح، وحين يصبح حذف تغريدة بديلاً عن الشفافية، فإن السلطة تضع نفسها في موقع المتهم أمام الرأي العام، وتفتح الباب واسعاً أمام الشكوك في نزاهة القرارات وشرعيتها.

الأسئلة الكبرى تبقى بلا إجابة: من هم الشركاء الحقيقيون في هذه الصفقة؟ لماذا منحت السيطرة على مورد سيادي لشركات ورجال أعمال مقربين من السلطة والجيش؟ أين القانون، وأين البرلمان، وأين صوت الدولة ممثلاً في رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان الذي يلتزم صمتاً مطبقاً أمام اتفاقية بملايين الدولارات ثم نفيها وكأنها لم تكن؟

في ظل هذا الغياب، لا تعود الكارثة في الحرب وحدها، بل في مؤسسات تتساقط أعمدتها الأخلاقية واحدة تلو الأخرى. وما جرى مع “ديب ميتالز” ليس سوى إنذار علني بأن الدولة السودانية، في صورتها الراهنة، لم تعد قادرة على إدارة ثرواتها ولا على مخاطبة شعبها بصدق

فالخطر لم يعد فقط في منجم ذهب قد يضيع، بل في ذاكرة وطنية تتآكل، وشرعية حكم تتفتت، وسلطة عليا تختبئ خلف الصمت فيما البلاد تتهاوى بين فساد الداخل ونزيف الحرب

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى