صوتٌ يعود في توقيت غريب ويطرح سؤالاً يربك المشهد السياسي السوداني
موجز السودان الآن _ عثمان ميرغني
في لحظة سياسية مشحونة بالتساؤلات والانتظار، خرج الكاتب الصحفي عثمان ميرغني عبر قناة البلد ليعيد فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في التاريخ السياسي السوداني الحديث، وهو ملف المؤتمر الوطني الذي حكم البلاد لثلاثة عقود وترك خلفه إرثاً تتقاطع حوله الرؤى والاتهامات والذكريات الثقيلة. ظهور ميرغني في هذا التوقيت بدا كصفحة تُقلب رغم الغبار المتراكم فوقها، وكأنه يضع الجمهور أمام مرآة الماضي في وقت يحاول فيه السودانيون ترتيب مستقبلهم وسط مشهد معقد تتنازعه الحرب والضبابية السياسية.
ميرغني تحدّث بلغة لا تشبه تبريراً ولا هجوماً، بل محاولة لقراءة ما تبقى في ذاكرة السودانيين عن الحزب الذي صاغ معادلة السلطة لسنوات طويلة، ثم اختفى من الواجهة بعد سقوط النظام، لكن ظلاله لا تزال حاضرة في النقاش العام. وطرح خلال حديثه سؤالاً ظل معلقاً في الهواء منذ الثورة: أين يقف المؤتمر الوطني الآن من لحظة المحاسبة التي ينتظرها الشارع؟ وهل بدأ الحزب فعلياً في مراجعة الذات أم أنه يراقب المشهد بصمت في انتظار فرصة جديدة لعودة مرتقبة أو نفوذ متجدد؟
حديث عثمان ميرغني ذهب أبعد من استحضار التاريخ، إذ استخدم تعبيراً وصفه بـ”يوم القيامة السياسي”، وهي العبارة التي أثارت اهتمام المتابعين لأنها تشير إلى لحظة محاسبة لا مهرب منها، لحظة يتواجه فيها رموز النظام السابق مع ملفات الانتهاكات والقرارات التي شكلت مسار البلاد لسنوات طويلة. وأكد أن هذه اللحظة لا تتعلق بالانتقام، بل بإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وهي خطوة ضرورية لفتح الطريق نحو مستقبل سياسي أكثر وضوحاً واستقراراً.
الإعلام كان أحد المحاور الأساسية في حديث ميرغني، الذي اعتبر أن فتح هذا الملف ليس استهدافاً سياسياً، بل ضرورة وطنية لقراءة المشهد بطريقة تمنع تكرار الأخطاء نفسها. وقال إن المنصات الإعلامية المستقلة تتحمل مسؤولية تاريخية في هذه الفترة، لأن توثيق الحقائق وإعادة طرح الأسئلة الصعبة هو ما يساعد السودانيين على فهم ما حدث وما يجب أن يحدث. كما شدد على أن الصمت عن مثل هذه الملفات لا يخدم أحداً، بل يؤجل معركة الحقيقة التي تمثل مفتاحاً لأي مشروع إصلاح سياسي أو اجتماعي.
وخلال حديثه، لفت ميرغني إلى أن المؤتمر الوطني، رغم غيابه المؤسسي، يظل جزءاً من المشهد من زاوية الذاكرة والنتائج والتأثيرات التي لا تزال تلقي بظلالها على أدوات الحكم وإدارة الدولة. وأشار إلى أن أي مشروع وطني جديد لن يكتب له النجاح ما لم تتم مواجهة الماضي بشجاعة، لأن تجاهل الأخطاء يضمن تكرارها، بينما الاعتراف بها يفتح الباب أمام إعادة بناء سياسية قائمة على الوضوح لا على المناورة.
وختم ميرغني حديثه بعبارة حملت أكثر من إشارة، حين أكد أن السودان يقف الآن أمام لحظة مفصلية تحتاج إلى شجاعة سياسية من مختلف الأطراف، وأن المكاشفة والمحاسبة هما الطريق الوحيد لتأسيس مرحلة جديدة تتجاوز الصراعات والانقسامات. وقال إن الإجابة عن سؤال المستقبل تبدأ من مواجهة السؤال الأصعب: ماذا نفعل بإرث السنوات الماضية؟ وهل نحن مستعدون للحديث بصراحة قبل أن تفرض علينا الأحداث ما لا نملك تغييره؟













