منوعاتاخبار

أردول والبرهان… رسائل متقابلة في لحظة سودانية متوترة

موجز السودان الآن

تابعنا على الواتساب لمزيد من الاخبار

                           

أردول والبرهان… رسائل متقابلة في لحظة سودانية متوترة

بقلم: رشان أوشي _ موجز السودان الآن

في المشهد السوداني المحتدم، تتكثف الإشارات السياسية كما لو كانت غباراً ينهض من مدينة أصابتها رجّة، ويجد المراقب نفسه أمام خطوط متوازية تخرج من الخرطوم وتمتد نحو عواصم الإقليم، في وقت تُعاد فيه صياغة التحالفات وتُختبر فيه قدرة المؤسسات على الصمود. بين هذه الخطوط يبرز اسم مبارك أردول في مقابل اسم عبدالفتاح البرهان، ضمن جدل سياسي يتجاوز الأشخاص إلى أعمق طبقات الصراع.

على مدى الأسابيع الماضية، تحولت تصريحات أردول، القيادي المعروف بنوله مساحة واسعة من الحراك الإعلامي، إلى منصة لقراءة اتجاهات القوى المدنية والمسلحة على السواء. تحدث الرجل بوضوح عن ضرورة “إعادة ضبط البوصلة الوطنية”، وهي عبارة بدت كأنها حجر قُذف في مياه راكدة، خاصة أنها جاءت متزامنة مع رسائل البرهان حول “حماية الدولة ومنع الانهيار” أثناء جولاته العسكرية الأخيرة.

هذا التوازي في الخطاب فتح باباً جديداً أمام التحليل، إذ بدا أن كل طرف يعبر عن روايته الخاصة للحظة السودانية، بينما يراقب الشارع بحذر ما إذا كان هذا الاختلاف مجرد تنوع في الزوايا أم مقدمات لاصطفاف جديد.

 

 

 

 

 

بين الرؤية السياسية وضرورات الميدان

يقدم أردول نفسه باعتباره صوتاً إصلاحياً يركز على ضرورة إدماج القوى المجتمعية المتضررة من الحرب في أية ترتيبات انتقالية قادمة، مستنداً إلى إرث طويل في العمل العام وعلاقات مفتوحة مع قوى مدنية ومجتمعية. ومن جهة أخرى، يواصل البرهان تحركاته العسكرية والسياسية من موقعه كرأس هرم الدولة خلال فترة الحرب، لتبدو تصريحاته امتداداً لرؤيته حول بقاء السودان موحداً تحت مؤسسات مركزية قوية.

ورغم أن خطاب الرجلين يبدو متباعداً في المظهر، إلا أن كثيراً من المحللين يؤكدون أن جوهره يحمل نقاط التقاء لا يمكن تجاهلها، أهمها ضرورة وقف الانهيار وإعادة بناء مؤسسات الدولة. لكن الاختلاف، بطبيعة الحال، يكمن في الطرق المقترحة للوصول إلى ذلك الهدف، والمسارات التي يجب أن تمر بها أي عملية سياسية لاحقة.

 

 

الشارع بين الترقب ومخاوف المستقبل

على الأرض، لا تزال أصوات المدنيين ترتفع بحثاً عن حل جذري للحرب، وتطالب القوى السياسية كافة بالتوقف عن “تجريب المجرب”. في الوقت ذاته، تنتشر موجة من الشكوك تجاه أي رسائل سياسية جديدة، إذ يرى البعض أن الصراع على الخطاب العام بات جزءاً من معركة النفوذ، في حين يعتبر آخرون أن تعدد الأصوات يمثل ظاهرة صحية في بلد يبحث عن توازن مفقود.

في المناطق المتأثرة مباشرة بالقتال، مثل مدن كردفان ودارفور، تبرز أولويات مختلفة. السكان هناك لا يهمهم كثيراً من يطلق التصريحات بقدر اهتمامهم بما إذا كانت تلك التصريحات ستضع حداً للمعاناة اليومية: انقطاع الإمدادات، الخوف من الطائرات المسيّرة، وتقلص الخدمات الأساسية. من هذه الزاوية، تبدو كل تصريحات القيادات، سواء من أردول أو البرهان أو غيرهما، جزءاً من مشهد أكبر يُنتظر أن يتحول من الكلام إلى الفعل.

 

 

 

 

هل تمهّد الرسائل لتحولات قادمة؟

في قراءة معمقة لمراقبين سياسيين، فإن تصاعد الحديث عن “إعادة ضبط المسار الوطني” بالتزامن مع حديث البرهان عن “إعادة بناء مؤسسات الدولة”، قد يشير إلى بداية تبلور مرحلة جديدة، ربما تحمل محاولات لجمع شتات القوى السياسية والمدنية حول أرضية مشتركة، ولو بشكل تدريجي.

غير أن الطريق يبدو طويلاً وشائكاً. الخلافات بين الفاعلين السياسيين، والانقسامات داخل الكيانات المدنية، وكذلك الضغوط الدولية المتصاعدة، كلها عوامل تجعل من أي محاولة لتشكيل رؤية موحدة مهمة معقدة. ومع هذا، فإن اتساع نطاق النقاش العام حول مستقبل الدولة قد يكون إشارة أولى إلى استعداد جديد للانتقال من مرحلة الحرب إلى مرحلة التفكير في ما بعدها.

 

 

 

 

ختاماً

يبدو السودان اليوم أمام لوحة تتداخل فيها التعقيدات السياسية والعسكرية والاجتماعية. وفي هذه اللوحة، يقف كل من أردول والبرهان كأحد ملامح الزمن الراهن، ليس بوصفهما شخصين فقط، بل باعتبارهما عنوانين لمنهجين مختلفين في قراءة الأزمة الوطنية.

السؤال الذي يطرح نفسه في نهاية هذا المقال:
هل تستطيع البلاد تحويل هذه الخطابات المتوازية إلى مسار واحد ينقذ ما يمكن إنقاذه؟
أم أننا أمام جولة جديدة من تباين الرؤى الذي سيتراكم فوق جراح الحرب؟

الأيام القادمة وحدها تحمل الإجابة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى