
عثمان ميرغني يكتب : مش حتقدر تغمض عينيك
متابعات_موجز _السودان الآن _زمان، في أيام المرحلة الثانوية، كنا نخرج في مظاهرات ضد السلطة بحماسٍ لا يهدأ. نهتف بأعلى أصواتنا، نجوب الشوارع، تتسخ وجوهنا بغبار الكرّ والفرّ مع الشرطة. أحياناً نقضي الليل في حراسة قسم شرطة بحري، ثم نقف صباحاً أمام القاضي، في زمنٍ كانت فيه الحكومة تُحيل المتظاهرين إلى القضاء.
مرت السنوات. في الجامعة، سألني أحد الزملاء الذين شاركونا تلك المظاهرات سؤالاً أربكني: «شنو علاقة بوستة لندن بالسودان؟ ليه كنا بنهتف: لن تحكمنا بوستة لندن؟»
أجبته بالحقيقة التي اكتشفتها لاحقاً: المقصود كان «بورصة لندن» لا «بوستة لندن». والأصدق أنني وقتها لم أكن أعرف ما هي بورصة لندن، ولا لماذا نهتف ضدها. كنا نهتف فقط.
بعد التخرج، ومع دخولي عالم الصحافة واقترابي من دهاليز السياسة، أدركت أننا لم نكن استثناءً. كثيرون في السياسة يعارضون أشياء لا يعرفونها، لكنهم يشعرون بحاجةٍ دائمة إلى أن يكونوا «ضد» شيء ما. فالموقف الصاخب أحياناً أهم من الفهم. وإلا فقد السياسي بطاقته وصار مجرد «شعب»… كما قال ذلك المجنون الذي حكى عنه صديقي البروفيسور عبد اللطيف البوني، حين رآه في إحدى «صينيات» الخرطوم يصرخ: «ما أسوأ أن تكون شعباً».
أذكر أيضاً أنني، بعد عودتي إلى السودان من اغترابين؛ الدراسة في القاهرة والعمل في السعودية، طُلب مني أن أدير ندوة في نقابة المهندسين يتحدث فيها أحد أبرز الساسة آنذاك. كانت العلاقات متوترة بين السودان ومصر. قال الرجل بثقة: «لدينا مشكلة مع مصر… لا بد من فصل الملفات».
بعفوية سألت: «ما هي هذه الملفات التي تريدون فصلها؟» لم أقصد إحراجه، كنت فقط أبحث عن معنى العبارة.
تردد قليلاً ثم قال: «المصريون عندما يذهبون لمفاوضات اقتصادية، وبعد أن يحصلوا على مطالبهم، يطلبون أن يحصل السودان على مساعدات مماثلة».
أدهشني الرد. لم أعرف بماذا أعلّق، ولا لماذا يُعدّ ذلك سبباً للغضب. وبعد انتهاء الندوة، فاجأني السياسي غاضباً: «كان لازم تحرجني قدام الناس؟ بقالنا سنين بنقول فصل الملفات، وما زول سألنا معناها شنو!»
اليوم، تبدو السياسة في بلادنا أقرب إلى مسرحٍ عبثي كبير. مفارقات تضحكك وتبكيك في آنٍ واحد. مشاهد تصلح لمسلسل كوميدي تراجيدي بامتياز، حيث تختلط الشعارات بالالتباس، والمواقف بالارتباك، وتتحول العبارات الرنانة إلى ألغاز لا يعرف قائلها تفسيرها. حقاً… «مرة أضحك ومرة أبكي»، وأحياناً تغلبنا الحيرة قبل أي شيء آخر.













