منوعات

عثمان ميرغني.. جرد حساب بعد أربع سنوات من انقلاب القصر

موجز السودان الآن

تابعنا على الواتساب لمزيد من الاخبار

                           

عثمان ميرغني.. جرد حساب بعد أربع سنوات من انقلاب القصر

بقلم: عثمان ميرغني
الأحد 26 أكتوبر 2025

في الساعات الأولى من فجر يوم الإثنين 25 أكتوبر 2021، استيقظ السودانيون على حدث غيّر مجرى التاريخ السياسي في بلادهم، حينما أعلن رئيس مجلس السيادة الانتقالي ونائبه، مدعومين ببقية المكوّن العسكري، الإطاحة بالحكومة التنفيذية برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك. بذلك أسدل الستار على تجربة الحكم الانتقالي التي بدأت بتوقيع الوثيقة الدستورية في أغسطس 2019 وسط آمال عريضة ببناء دولة مدنية حديثة.

 

 

 

في اليوم التالي، وقف الفريق أول عبد الفتاح البرهان أمام وسائل الإعلام بمقر القيادة العامة، متعهداً بإكمال مؤسسات الدولة التي غابت عن المشهد خلال المرحلة الانتقالية: المجلس التشريعي، مجلس القضاء الأعلى، مجلس النيابة العليا، المحكمة الدستورية، والمفوضيات. وأعلن حينها أن مهلة أسبوع واحد كافية لإنجاز هذه المهام، في إشارة إلى الجدية والالتزام بالتحول المؤسسي.

لكن، بعد مرور أربع سنوات على ذلك الصباح، تبيّن أن الوعود لم تتجاوز الورق، وأن ما تحقق فعليًا لا يتعدى تعيين رئيس للمحكمة الدستورية دون استكمال أعضائها. وبالمقارنة بين الواقع الذي استُندت إليه مبررات الانقلاب وبين ما يعيشه السودان اليوم، تبدو الأوضاع السابقة أكثر استقرارًا مما تلاها، إذ تدهورت مؤسسات الدولة، وازدادت الأزمات السياسية والاقتصادية والعسكرية عمقًا مع كل يوم يشرق.

 

 

 

الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن الانقلاب فشل في تحقيق أهدافه المعلنة، بل جرّ البلاد إلى حرب شاملة كانت إحدى نتائجه المباشرة، وأدت إلى انهيار الدولة في شقها المدني وتعطّل مؤسساتها.

من هنا، فإن أولى خطوات الخروج من النفق المظلم هي إيقاف الحرب وتهيئة المناخ لبناء السودان الحديث. لقد قدم الجيش تضحيات جسيمة في ظل ظروف قاسية، لكن استمرار غياب الدولة المدنية الفاعلة يعني بقاء الخلل قائمًا في هيكل الحكم، وهو ما يتطلب إصلاحًا جذريًا يضع البلاد على سكة مؤسسية حقيقية.

 

 

 

 

الخلل الأكبر يكمن في مجلس السيادة، رأس الدولة الذي تحوّل إلى كيان بلا فعالية حقيقية. فبعد التعديلات التي مُنحت له في الوثيقة الدستورية، أصبح المجلس يجمع بين سلطات سيادية وتنفيذية، دون أن يمتلك أدوات العمل المؤسسي أو التوازن بين مكوناته. القرارات الفعلية تُحسم في يد القائد العام بحكم التراتبية العسكرية، ما جعل المجلس أقرب إلى واجهة رمزية منه إلى مؤسسة حكم.

يتكون مجلس السيادة من تسعة أعضاء: أربعة عسكريين، ثلاثة من الموقعين على اتفاق جوبا للسلام، وسيدتين. غير أن وجود هذا العدد الكبير لم يُضف قيمة ملموسة للدولة، بل شكّل عبئًا ماليًا إضافيًا على خزينة مثقلة بالديون والعجز. فالمناصب وبدلاتها باتت أشبه بمكافآت ترضية سياسية أكثر من كونها مواقع خدمة عامة.

 

 

 

 

منذ سقوط النظام السابق، حذّر كثير من المراقبين – ومنهم كاتب هذا المقال – من تكرار تجربة “مجلس السيادة” التي تعود جذورها إلى عام 1955، حين أُنشئت لمعالجة ظرف مؤقت قبيل الاستقلال. غير أن التاريخ أثبت فشلها في كل مرة، بعد ثورة أكتوبر 1964، وانتفاضة أبريل 1985، والآن بعد ثورة ديسمبر 2018. ومع ذلك ما زالت النخب السياسية تتمسك بها كأنها وصفة مقدسة رغم تجاوزها منطق العصر.

أما مجلس الوزراء، بنسخه الثلاث، فكان بدوره انعكاسًا لخلل المنظومة ككل. النسختان الأوليان برئاسة عبد الله حمدوك فشلتا في تثبيت الاستقرار السياسي، حتى قبل وقوع الانقلاب. وبعد أربع سنوات من غياب حكومة تنفيذية حقيقية، تم تعيين الدكتور كامل إدريس في مايو 2025، لكنه يدخل شهره السادس دون أن ينجح في إحداث أي تحول ملموس أو إطلاق برنامج وطني جامع.

 

 

 

 

المشهد العام اليوم لا يحتاج إلى كثير من التحليل: الانقلاب وما تلاه من ممارسات سياسية واقتصادية وأمنية كان وبالًا على السودان. فقد فشل في تحقيق شعارات الإصلاح، وبدّد ما تبقى من مؤسسات الدولة، وفتح الباب لحرب داخلية أنهكت الجميع.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بعد أربع سنوات من التجربة المريرة:
هل آن الأوان ليدرك الجميع أن لا سبيل أمام السودان سوى بناء دولة مدنية مؤسسية تحكمها الكفاءة لا المحاصصة، وتستمد قوتها من الشعب لا من السلاح؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى