
أضحكني… ولكن لله الخفايا ولنا حُسن الظنون
موجز السودان الآن _ في أحد الأحياء الهادئة، حيث تعيش الأسر في انسجام مألوف، كان هناك رجل واحد خرج عن السياق العام، لا بسلوك شاذ ولا بطبع غريب، بل لأنه ببساطة كان الوحيد الذي لم يتزوج. مع الوقت، لم يعد اسمه يُذكر بقدر ما أصبح يُعرف بلقب واحد: “العزابي”.
الغريب أن اللقب لم يتوقف عند حد المزاح، بل تمدّد في المكان حتى صار علامة دالة. الشارع المجاور حمل اسمه، والدكان القريب عُرف به، وحتى موقف الحافلات صار يُشار إليه بذات الوصف. وكأن الرجل لم يعد فردًا، بل عنوانًا.
ومع تراكم السنوات، ضاق الرجل ذرعًا باللقب الذي يسبقه إلى كل مكان، فقرر أن يُنهي القصة من جذورها. عاد إلى قريته، تزوج، وأتى بزوجته إلى المنزل نفسه، مؤمنًا أن الواقع الجديد كفيل بتغيير الصورة القديمة.
غير أن المشهد الذي تلا ذلك كان كاشفًا أكثر مما هو مضحك. ففي أحد الأيام، عاد إلى منزله ليجد نسوة يقفن أمام بابه يحملن الطعام، وحين سأل عن السبب، جاءه الرد بكل عفوية:
“نحن ماشيات نتغدى مع مرّة العزابي.”
ضحك الجميع، لا سخريةً، بل لأن الموقف كشف حقيقة إنسانية بسيطة: بعض الصور الذهنية، حين تستقر في العقول، تصبح عصيّة على التغيير، حتى لو تغيّر الواقع نفسه.
هذه القصة، رغم خفتها، تحمل درسًا عميقًا. فكم من إنسان وُضع في بيئة لا تشبهه، أو سلك طريقًا لم يكن الأنسب له، فظل يُعرّف به حتى بعد أن غادره؟ وكم من شخص حاول تصحيح مساره، لكن الأوصاف السابقة ظلّت تلاحقه؟
الإنصاف يقتضي أن نفرّق بين الخطأ وصاحبه، وبين التجربة والإنسان. فليس من العدل اختزال الناس في مرحلة واحدة من حياتهم، ولا محاكمتهم إلى الأبد بناءً على صورة قديمة.
لله الخفايا التي لا نعلمها، ولنا حُسن الظنون الذي إن فقدناه، فقدنا إنسانيتنا قبل أن نفقد قدرتنا على الفهم.
بقلم: مهند عباس العالم













